مقدمة
شهد العالم وما يزال يشهد تحولات عميقة في أبعاد كثيرة ومتباينة شملت كل جوانبه السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والإعلامية، وهذه التحولات كانت انعكاسا مباشرا لثورات معرفية تكنولوجية رقمية اتسمت بالتغير الشديد ومجانبة كل ما هو تقليدي الى آفاق لم تعتدها البشرية ولم يكن الانسان ليتوقع حجمها وتداعياتها وفقا لما هو كائن أو معايش.
واتجه العالم الى تبني جملة من التغييرات التي أصبحت مطلبا حتميا للاستمرارية وتلبية المطالب المعقدة التي فرضها هذا الواقع الجديد الذي رسمته مسارات في الفكر والممارسة، بحيث أصبحت مسلمات في عالم يبدو أنه حقيقي ويعمد لتغيير كل الثوابت، بل وتأسيس قيم هي الأقرب للمثالية في أبعد تجلياتها وصورها.
وظهرت وفقا لهذا التغير وفرضت نفسها وبقوة ملامح عالم يتشكل على أسس القسمات المشتركة التي انصهرت فيه كل معالم التفرد أو الانغلاق أو التقوقع، وهذا ما وصف ظاهرة العولمة (Globalization) التي أصبحت شعارا ورمزا للعالم الجديد. فالعالم وفقا للتطورات الرقمية ومناط الاتصالات أصبح يبحر في العالم الأزرق – عالم الانترنت-وذلك مما أوجد هويات ثقافية كثيرة افتراضية، تولدت عنها لغة عالمية مشتركة تسعى إلى نقل ثقافات الشعوب، لكنها تبقى هويات إنسانية افتراضية. وهذا يضعنا أمام إبدال آخر، جد عميق للهوية الثقافية. فهل تسير العولمة بهذا العالم-وفقا لما ذكره الفيلسوف "جان بودريارد " -في اتجاه القضاء على الاختلاف والمغايرة الذي يضعنا أمام تحد آخر كبير لهذه العولمة أو القولبة؟!
ويشير واقع الأمر إلى أن الوطن العربي يشهد تغييرات جارفة مع تسارع وتيرة العولمة، مدفوعة بالتوسع السريع للتكنولوجيا، وهيمنة الأسواق العالمية، وتغلغل وسائل الإعلام الرقمي ومنصاته، فيمكن سماع نبضات القلب من أماكن مختلفة وثقافات أخرى تنمو باستمرار، والاتصال عبر الحدود يزداد بشكل مطرد وكبير ومتلاحق. ولم يعد يخفى حجم التأثيرِ الكبير والعميق -الذي أصبحت تدفع به هذه المتغيرات-في الثقافة العربية واللغة والتقاليد، وأصبح يستوجب التوقف أمامها، وإعادة تقييم مآلاتها وانعكاسات كل ذلك على الهوية العربية في السياق العالمي الجديد الذي تسوده ثقافة الأقوى والأكثر قدرة على التأثير في الرأي العام.
ومن الواضح أن العالم العربي يقف أمام طريق محفوفة بالمنزلقات في وقت تكافح فيه الدول للاستجابة بفاعلية لمتطلبات العصر الرقمي، وتحقيق أولويات أجنداتها التنموية، وهذه المنزلقات تشمل تحديات الوصاية والتدخل في شؤون السيادة الوطنية، وتقبل الخيارات الأحادية الجانب، ووجوب مراعاة متطلبات الامتثال الدولي، وأصبحت في مجملها تمثل معضلات تنبغي مواجهتها مع انتشار الثقافة الغربية الكلية، وتوظيف قوة الإعلام والثقافة بصفتها قوة ناعمة للتحكم في تشكيل الأعراف المجتمعية، وتحقيق التأثير المنشود.
ويفرض الواقع ومآلاته على التربية ومؤسساتها أن تمارس الأدوار المتوقعة منها لمساعدة المجتمعات وخصوصا العربية لتحقيق التكيف والانفتاح والاندماج مع التحولات العالمية والتعددية الثقافية التي تمثل تحديات عالمية معاصرة مع الحفاظ على الهوية الشخصية
يشهد العالم اليوم تغيرات عميقة وجذرية نتجت عن التطور المعرفي المتسارع وما نتج عنه من تطور تكنولوجي ورقمي ، يصف وبشكل مباشر ما آلت إليه تداعيات التحول نحو الرقمنة والسعي الحثيث للوفاء بمتطلباتها . وتدلنا الشواهد إلى أن التطبيقات الرقمية المقترنة بالثورة الصناعية الرابعة، قد أثرت بشكل كبير على التفاعلات الحياتية وتسيير الأعمال المقرونة بهذه التطبيقات التي تصف مدى سيطرة الآلة الرقمية والروبوتات على مجريات الأمور، وفي اختزال دور الانسان ليصبح ترسا في الآلة الرقمية، وأنها أصبحت تدير مقدراته وأوجه تفاعله وانتاجه، دون تدخل مباشر له أو تفعيلا لإرادته التي تصف قدراته الانسانية في اتخاذ القرار والسلوك بمقتضى القيم الاجتماعية والفردية التي تعكس الوجود البشري الانساني في أسمى معانيه.
تهدف الثورة الصناعية الخامسة المستقبلية إلى دمج البشر والتكنولوجيا بعناية، مما يضمن أن كلاهما يعمل معاً بشكل وثيق، وأن يزود كل منهما الآخر بفوائد لا حصر لها مما يؤدي إلى استعادة تلك الثقة، وضمان استخدام التكنولوجيا لصالح العالم، وليس فقط من أجل الربح، فالخوف من أن تحل التكنولوجيا محل البشر في القوى العاملة، هو الهاجس الذي تهدف الثورة الصناعية الخامسة إلى القضاء عليه من خلال إعادة البشر إلى العمل، عبر وظائف جديدة يتم خلقها، استبدالاً لتلك التي شغلتها التكنولوجيا.
وسوف يتم التركيز بشكل كبير على دور الإنسان كمحرك رئيسي للابتكار والتحول التكنولوجي لتحسين جودة الحياة للجميع، وحل التحديات الاجتماعية، وتحقيق رفاهية أفضل للإنسان من خلال توظيف التقنيات التكنولوجية المتقدمة وتطبيقاتها العديدة في كافة مجالات الحياة المختلفة.
وتهتم الثورة الصناعية الخامسة بالإنسان الذي يستطيع من خلال التقدم التكنولوجي حل القضايا الاجتماعية بواسطة الأنظمة التي تم تطويرها من خلال الدمج بين الفضاء السيبراني والفضاء المادي حيث يركز هذا النموذج الاجتماعي الجديد على الاتصال بين العالم الحقيقي والعالم السيبراني، والذي تم تعريفه وتطوره في الثورة الصناعية الخامسة؛ لحل المشكلات الاجتماعية الحالية بشكل أكثر كفاءة وفاعلية.
ولعل هذا يفرض على المؤسسات التربوية في عصر الثورة الصناعية الخامسة القيام بأدوار متعددة، منها: فهم فعاليات ومتطلبات وتداعيات هذه الثورة، وتهيئة المجتمع للتعامل معها، والاستفادة القصوي من الفرص التي تتيحها هذه الثورة في تحقيق التنمية المستدامة، وكذلك المشاركة الفعالة في تطوير التقنيات والإبداعات التقنية واكساب الطلاب المهارات الحياتية والقدرة على العيش (التعاون) معًا والقدرة على التفكير بشكل نقدي وإبداعي، وكذلك المهارات الناعمة ، فضلاً عن المهارات غير المرئية التي تكون مفيدة في العديد من حالات العمل، بما في ذلك: المهارات الشخصية، والقدرة على أن يكون الإنسان مواطنًا عالميًا، وتكريس مهارات الاتصال الفعالة في هذا الإطار.
وسوف يكون التركيز في الثورة الصناعية الخامسة حول “الثقة” و “الإنسانية”، وهو ما يعكس بناء الانسان جوهر الوجود ومحرك التنمية الرشيدة في أسمى معانيها. وسيكون للتعليم ومؤسساته الدور الأكبر في تنمية مجتمع الثورة الصناعية الخامسة من خلال تحسين جودة الموارد البشرية، وتوفير فرص الإبداع المتعلقة بأدائهم.
ووفقا لما تقدم، فإن مؤتمر كلية التربية هذا العام والذي يأتي تحت عنوان (التربية وبناء الإنسان في ضوء توجهات الثورة الصناعية الخامسة -رؤي وآفاق مستقبلية)، جاء ليتناول أبعاد الثورة الصناعية الخامسة، وكيف أنها ستؤثر على الاتجاهات التربوية في بناء الإنسان وتشكيله، من خلال الرؤى والآفاق المستقبلية التي سيتم طرحها من خلاله.